أفضل أن أجري شبه حافي القدمين أبحث عن العلب البلاستيكة الفارغة في شوارع مدينتي حتى أجمع بقية ثمن الحذاء، على أن أكون لصاً يسرق أشياء الآخرين.
ما زالت تراودني فكرة سرقة حذاء من على باب المسجد؛ لكنني وأنا أنظر لحذائي الذي مزقته إبرة تصليحات أمي أكثر مما مزقه طول السير والوقت، لم أستطع أن أُحرم شخص ما من حذائه؛ فقد يحزن لذلك ويدعو عليّ، فلا تتحقق أمنياتي حين أكبر..
أفضل أن أجري شبه حافي القدمين أبحث عن العلب البلاستيكة الفارغة في شوارع مدينتي حتى أجمع بقية ثمن الحذاء، على أن أكون لصاً يسرق أشياء الآخرين.
ذلك المساء بعد خروجي من المدرسة، فكرت أن أجمع العلب أيضاً اختصاراً للوقت، فقد كنت أجمعها كل يوم صباحاً، وفي المساء أذهب للمدرسة ثم أذاكر الدروس؛ وفيما أنا أنقب في أكوام القمامة عن علبة هنا أو هناك، مرّ ظل امرأة وتوقف فوق رأسي؛ حين نظرت نحوها مستغرباً وقوفها بتلك الطريقة، لمحتُ الذهول والحزن في عينيها، رغم النقاب الذي يكاد يلتقي طرفاه حول عينيها.
تجمدت حرجاً من وقفتها فوق رأسي حتى انقذني صوتها وهي تسأل بعتاب أم:
-ماذا تفعل بين القمامة يا ولدي وحقيبة المدرسة على ظهرك؟
قلت لها: أنا أبحث عن علب الماء الفارغة كي أبيعها واشتري لي حذاء..
نظرتْ ملياً نحو قدمي وقد برزت أصابعي من ثقوب حذائي، وهمست بحنو وهي تفتش في حقيبتها: تعال يا ولدي هذا ثمن حذاء من أم أخرى لك؛ أنت طالب علم لا منقب نفايات، تعلم وستصبح رجلاً مهما يملك الكثير من الأحذية.
كم أنا مدين لحقيبة المدرسة التي اعطانيها جارنا الطيب، لولاها ما لاحظت السيدة أني هنا ولما اعطتني مالاً يكفي لشراء حذاء جديد.
تركت العلب الفارغة من يدي، وهرعت إلى أمي، كانت كعادتها في بيت جارنا تساعد زوجته في أعمال البيت، رأيتها منكفئة تنقي حبوب القمح في حوش الدار.
جذبتها من يدها المغبرة وأنا أصيح بها: هيا للسوق يا أمي؛ أسرعي كي نشتري لي حذاء، لن أذهب للمدرسة غداً إلا به.
تجمد كف أمي اللين قبل أن تلتقط أذني به وهي تصيح: من أين لك المال أيها العفريت الصغير، من أين يا أحمد وأنا أشقى ليل نهار كي نأكل الحلال.
حكيت القصة لأمي وأقسمت لها..
صدقتني فلم أكذب على قلب أمي أبداً، وإن فعلت يعرف كيف يفضح كذباتي الصغيرة.
في الطريق إلى السوق كنت أودع حذائي الممزق القديم فأمشي به برقة لم يعهدها، سأفارقه أخيراً..
كانت أمي تتشبث بيدي كي لا أتوه منها وهي تراني أتقافز من الغبطة.
شعور ما غزا صدري وأنا أرى أمي ترنو إليّ بحنان، وكأننا نمضي إلى الجنة..
وفجأة دوى الانفجار في الشارع قربنا.. بل فينا نحن..
لم أسمع شيئا تقريباً أو أرى شيئا.. حتى أمي أو أنا..
لقد ارتطمت بالأرض بقوة بعد أن طار جسدي أمتاراً، وكأن حذاء هائلاً ترتديه قدم عملاق قذفني في الهواء.
لم أكن أتخيل أنني سأموت في تفجير إرهابي، ظننت أنني سأعيش لأكبر وأصبح رجلاً مهماً يملك الكثير من الأحذية كما قالت تلك السيدة..
لكنني الآن حزين أنكم قتلتم طفولتي وشبابي ورجولتي المنتظرة.
أنا لم أرَ جسدي الصغير ممزقاً وقد فقدت قدميّ التي كنت أحلم بحذاء جديداً لهما، ولا أدري كيف أمي الآن..
ولا من سيرعى أخوتي الأيتام..
لكنني وروحي البريئة تصعد إلى خالقها، كنت ألعنكم أيها القتلة المجرمون وألعنكم أيها المتواطئون والصامتون..
ستظل لعناتي وكل ضحاياكم، تلاحقكم حتى نلتقي بين يدي رب عادل عظيم.
المقال خاص بـ(يمن مونيتور) ويمنع إعادة نشره دون الإشارة إلى مصدره الأصلي.
*المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن سياسة “يمن مونيتور”.